عبد الوهاب الشعراني
114
تنبيه المغترين
ربما يتهيأ الواحد منا خمسين سنة للموت ولا يصح له تهيؤ إنما التهيؤ لمن زهد في الدنيا كعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فإنه كان يقول للموت كل يوم صباحا ومساء يا ملك الموت خذني أي وقت شئت ا ه ، ومن أدلة القوم في هذا الخلق قوله صلى اللّه عليه وسلم : [ اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك ] ا ه فاعلم ذلك يا أخي وانتبه لنفسك ، والحمد للّه رب العالمين . قبول النصح ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : أنهم لا ينصحون ويوصون إلا من علموا منه بالقرائن قبول النصح والوصايا منهم ، وأما من علموا منه أنه تتحرك نفسه إذا نصحوه نحو ذلك فالأولى الإعراض عنه وتأخير ذلك حتى يجد أحدهم طريقا شرعيا يدخل إليه منها ، وكان حامد اللفاف رحمه اللّه تعالى يقول : لا تنصح أحدا إلا إن علمت منه القبول وإلا فر بما أعقبك ذلك النصح ضررا لا تطيقه ، وإياك أن تطلب الرياسة على أحد في هذا الزمان فإن كل أحد قد عد نفسه أبا فلان ، وإياك أن تقتدي بكل أحد فإن الأهواء قد انتشرت انتشارا عظيما وإياك أن تفشي سرك إلى أحد فإن الأمانة قد ارتفعت . ( قلت ) وقد صدق رحمه اللّه فإنه وقع لي أن نصحت شيخا من مشايخ العصر بأنه لا يأكل من بيوت الظلمة وكان ذلك بيني وبينه فمكث سبع عشرة سنة لا يكلمني وما صالحته إلا بجهد عظيم ، فكيف حالي معه لو كانت نصحته في الملأ لعله كان يسعى في قتلي ، فاعلم ذلك يا أخي واعرف زمانك وانصح إخوانك بسياسة ، والحمد للّه رب العالمين . تقليل الأعمال ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : تقليل أعمالهم في عيونهم من حيث كسبهم لها ولو كانوا على عبادة الثقلين فكانوا لا يرون أنهم قاموا بذرة واحدة من حقوق اللّه عز وجل ، وقد قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى تورمت قدماه الشريفان وقطر منهما الدم ، فقالوا له : تفعل ذلك يا رسول اللّه وقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال : [ أفلا أكون عبدا شكورا ] وقد كانت امرأة مسروق رحمهما اللّه تقول : كان مسروق رحمه اللّه يصلي حتى تنتفخ ساقاه من طول القيام حتى كنت أجلس خلفه أبكي رحمة له ، وكان الحسن البصري رحمه اللّه تعالى يقول : لقد أدركت أقواما كان أحدهم أشح على دينه وعمره من